أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

461

شرح مقامات الحريري

يقول الأرذلون بنو قشير * طوال الدّهر لا تنسى عليّا فقلت لهم وكيف يكون تركي * من الأعمال ما يعصي عليّا أحبّ محمدا حبا شديدا * وعباسا وحمزة والوصيّا بنو عمّ النبي وأقربوه * أحبّ النّاس كلّهم إليّا فإن يك حبهم رشدا أصبه * ولست بمخطئ إن كان غيّا ولم يشكّ أبو الأسود أنه رشد ، وعلى هذا تأويل قوله تعالى : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سبأ : 24 ] . ومن بخله أنه كان يقول : لا تجاودوا اللّه فإن اللّه أجود وأمجد ، ولو شاء اللّه أن يوسّع على خلقه حتى لا يكون فيهم محتاج لفعل . وكان يقول لولده : إذا بسط اللّه لك في الرزق فانبسط ، وإن قبضه فانقبض . ومرّ برجل وهو يقول : من يعشّي هذا الجائع ؟ فأدخله وعشّاه حتى شبع ، ثم ذهب السائل ليخرج ، فقال له : أين تذهب ؟ فقال : لأهلي فقال : لا أدعك تؤذي المسلمين بسؤالك ، اطرحوه في الأدهم ، فبات عنده مكبولا حتى أصبح . وكتب إلى رجل يستسلفه فكتب إليه الرجل : المئونة كثيرة ، والفائدة قليلة ، والمال مكذوب ، فراجعه أبو الأسود : إن كنت كاذبا فجعلك اللّه صادقا ، وإن كنت صادقا فجعلك اللّه كاذبا . وقال الخليل : كان أبو الأسود ضنينا بما أخذه من عليّ رضي اللّه عنه ، وذلك أنه سمع لحنا فقال لأبي الأسود : اجعل للناس حروفا ، فأشار إلى الرفع والنصب والخفض . وقال له زياد : قد فسدت ألسنة الناس ، لأنه سمع رجلا يقول : سقطت عصاتي ، فدافعه أبو الأسود . وسمع رجلا يقرأ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ [ التوبة : 3 ] فخفص ، فقال : ما بعد هذا شيء ، فقال له : ابغني كاتبا يفهم ، فجيء برجل من عبد القيس ، فلم يرضه فهمه ، فأتي بآخر من قريش ، فقال له : إذا رأيتني قد فتحت فيّ بالحرف فانقط نقطة على أعلاه ، وإذا ضممت فيّ فانقط نقطة بين يديه ، وإذا كسرت فيّ ، فاجعل النقطة تحت الحرف ، فإذا أشربت ذلك غنّة ، فاجعل النقطة نقطتين ، فهذا نقط أبي الأسود . واختلف الناس إليه يتعلمون العربية ، وفرّع لهم ما أصّله فأخذه جماعة كان أبرعهم عنبسة بن معدان المهري يقال له الفيل ، فأقبل الناس عليه بعد موت أبي الأسود ، فبرع من أصحابه ميمون الأقرن ، فرأس في الناس وزاد في الشرح ، فبرع من أصحابه عبد اللّه ابن أبي إسحاق الحضرمي ، فبرع في النّحو وتكلم في الهمز ، وأملى فيه كتابا ، وأخذ أبو عمرو بن العلاء عمّن أخذ عنه ، ثم نجم من أصحاب أبي عمرو عيسى بن عمر ، ويونس